السيد علي الموسوي القزويني
729
ينابيع الأحكام في معرفة الحلال والحرام
الثانية : قال في الدروس : " ويعفى عن المتساقط من الدلو وعن جوانبها وحماتها " ( 1 ) وفي شرحه للخوانساري تقييد المتساقط بكونه بالقدر المعتاد قائلا : " وهذا الحكم ممّا لا خفاء فيه ، وكاد أن يكون من الضروريّات ، إذ لو لم يكن ذلك لما أمكن تطهير البئر بالنزح في المعتاد " ( 2 ) . وفي حاشية المدارك للمحقّق المتقدّم ذكره : " والمتساقط من الدلو الأخير معفوّ عنه ، للمشقّة العظيمة ، ولأنّ الطهارة معلّقة على النزح وقد حصل ، ولكن الظاهر أنّ المعفوّ عنه هو المتساقط العادي ، فلو خرج عن العادة مثل أن يكون في الدلو خرق ومزق بما يزيد على العادة لم يكن معفوّاً عنه ، بل لم يكن الدلو محسوباً من العدد ، وكذا لو تحرّك الدلو بما هو زائد على المعتاد فانصبّ منه كثير ، على أنّ في مطلق الخرق والتمزّق إشكالا ، لأنّ المتبادر من الدلو هو الصحيح السالم . نعم ، ما يخرج من مسامّات ( 3 ) الدلو ومخارق الإبر لا يضرّ إذا كان الدلو من الدلاء المتعارفة " ( 4 ) انتهى . والظاهر أنّ مرادهم بالعفوّ هنا - كما هو المصرّح به في الشرح المتقدّم - أنّ المتساقط وإن كان متنجّساً لكنّه لا يوجب انفعال ما في البئر بتجدّد أثر على الأثر الأوّل كما في غير الدلو الأخير ، أو تجدّده الرافع للطهارة الحاصلة بالنزح كما فيه . ويشكل ذلك على القول بالتنجيس بأنّ المحقَّق عندهم في تنجّس ماء البئر عدم الفرق بين النجس والمتنجّس ، ولابين كثير كلّ منهما وقليله ، فكيف يلائم الحكم المذكور لمقالتهم هذا ، وكيف يعقل ذلك إذا كانت الماهيّة الصادقة على القليل والكثير في حكم الشرع مقتضية للتنجيس ، ولزوم العسر الشديد لا يقضي إلاّ بنفي التكليف وهو ليس من المدّعى في شئ ، إلاّ بإرجاعه إلى تخصيص الأدلّة القاضية عندهم بالانفعال وهي الأوامر الواردة بالنزح . وفيه : أنّ التزام التخصيص في جميع هذه الأوامر ليس بأولى من التزام التجوّز بإرادة الاستحباب .
--> ( 1 ) الدروس الشرعيّة 1 : 121 . ( 2 ) مشارق الشموس : 244 . ( 3 ) السمّ : الثقب . . . ومَسامّ الجسد : ثُقبه . القاموس المحيط ؛ مادّة " ثقب " 4 : 133 . ( 4 ) حاشية البهبهاني على مدارك الأحكام 1 : 149 .